عبد الرحمن بن محمد البكري
20
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
تحتمله عقولهم ، وما تقوم به الحجة عليهم في رأى أعينهم . وحذر النبي صلى اللّه عليه وسلّم من نشر غريب العلم لغير أهله ، كما أخذ اللّه سبحانه على العلماء في بيانه ، فمن تأدب بغير آداب اللّه عز وجل ، ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، فقد غلا وجفا ، ومن تخلّف عن ذلك بعد وجوبه عليه فقد ظلم ، واعتدى ، إلا أن يدخل على المتحققين حالا بغلبة إظهار ، أو كتمان ، إما لقيام حجة ، أو إلزام نقمة لتكذيب ، أو نكرة ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيى عن بينة . وقال : أبى اللّه عز وجل أن يفتح عين قلب مدع لفهم هذا العلم بوجود حقيقة معناه ، حتى يفتقر إلى اللّه عز وجل في نفس أغناه بوجود العلوم ، وامتداد الفهوم ، ويستغنى بربه في نفس فقره على الاستعانة به ، والاستعانة به في كل خطره ، ونظره ، ولجه « 1 » ، وهمه ، كما حظر على محب الدنيا النطق بالحكمة اللدنية حتى يزهد فيها ، ويؤثر اللّه على الحلال الصافي منها . وقال : أشرف أخلاق العقل الحلم والإنصاف « 2 » ، وأفضل أخلاق العلم الخشية والنصيحة ، وأرفع أخلاق المعرفة التواضع والرفق . وقال : العاقل لا يحب أن يكون الخلق كلهم جميعا إخوانه ؛ لأن مزيد
--> ( 1 ) أي في تردد كلامه في نفسه [ صحاح ] . ( 2 ) يتقارب معنى الحلم مع الصبر ، لذلك يوضع أحدهما موضع الآخر ، لكنهما مع هذا الالتباس يختلفان : فالحلم كفّ النفس عن الثأر ، أو مقابلة الأذى بمثله ، أما الصبر فهو احتمال المكروه ، كفقد عزيز ، أو مرض عضال أو كارثة ، أو ضياع مال . والحلم منوط بالقدرة على العقوبة أو الانتقام ، على حين أن الصبر موصول بما لا طاقة به للإنسان . والحلم نقيض الغضب ، والغضب مظهر من مظاهر الثورة ، وعدم الاحتمال المقرون بالتحدى ، أما الصبر فنقيض الجزع ، والجزع سمة دالة على الضعف ، وعدم الاحتمال المقرون بالاستسلام ، والعجز عن التحدي . انظر : من أخلاق النبي صلى اللّه عليه وسلّم ( ص 159 ) .